سراج الكلمة
‹صفحة ١٥١ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٥١

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


(عدد ۱۱): ويستغل بولس الآن هذا المعنى لاسم «أنسيمس»: «الذى كان قبلاً غير نافع لك ولكنه الآن نافع لك ولى». إن الكلمتين «غير نافع» و«نافع» هما فى الواقع أكثر قرباً إلى بعضهما فى اليونانية عنهما فى الإنجليزية (achrestos, euchrestos). والأخيرة تحمل فعلاً صيغة التأكيد «نافع حقاً» أى ليس فقط بحسب (الاسم). إن مثل هذه التورية أو التلاعب اللفظى كانت أمراً مألوفاً فى الآداب القديمة. وبالإضافة إلى ذلك فإن الكلمة اليونانية (chrestos) كان لا يمكن تمييزها فى نطقها عن الاسم كريستوس (Christos)، ومن ثم يكون هناك تورية مزدوجة مقصودة. إن أنسيمس الآن فى المسيح. وإذا كان الآن قد أصبح «نافعاً حقاً (euchrestos)» فذلك لأنه أصبح مسيحياً (نافعاً)، وهذا يعنى أن علاقته مع فليمون، وليس فقط مع بولس، يجب أن ينظر إليها الآن فى ضوء جديد تماماً. إن أنسيمس سيصبح نافعاً لك ولى على السواء.

(عددا ۱۲-۱۳): «أنا مرسله إليك» وفى اليونانية (والذى رددته» كما فى الترجمة العربية، من حيث أن بولس يكتب هنا، كما هو الحال فى كولوسى ٨:٤ بينما يكون فليمون قارئاً للرسالة). ولقد يكون الفعل مجازاً قانونياً مقنعاً: «أنا أرجع قضيته إليك»، ومن المؤكد أنه كان لفليمون القول الفصل فى هذه القضية من الناحية القانونية. ولكن إذا كان الأمر كذلك فإن لهجة الحديث تكون تهكمية ساخرة، من حيث أنه من المؤكد أن الأمر لا يتضمن أن بولس لا يستطيع أن يقرر ما يجب أن يفعله فى هذا الأمر(١). ولكن الأمر البعيد تماماً عن هذا الرأى هو قول بولس: «الذى هو أحشائى». إن الكلمة المترجمة هنا «أحشاء» تربط معاً ثلاثة اتجاهات فى الرسالة: إن فليمون قد أنعش أحشاء القديسين (الآية ٧)، و«إن أنسيمس هو أحشاء بولس»، ولسوف يطلب بولس من فليمون (الآية ٢٠) أن يريح أحشاءه أيضاً. إن هذه الآية والرسالة بأكملها، هى فى الواقع تذكرة لنا كيف ضللتنا تلك الصورة المشوهة التى اعتبرت بولس مفكراً عقائدياً عنيداً صعب المراس غير جذاب. ومن الواضح تماماً أنه كان فى مقدوره، فى غير تهيب أو وجل أن يكوّن صداقات عميقة مشبعة مع الآخرين. ولهذا نراه يقول نتيجة لذلك: «الذى كنت أشاء أن أمسكه عندى»، حتى ولو كان هذا يعنى أنه يأوى عبداً هارباً، لكى يخدمنى عوضاً عنك فى قيود الإنجيل، وهكذا هو الشأن غالباً فى قطعة أدبية من هذا النوع، تقع قوتها فيما تنطوى عليه وليس فيما تفصح عنه بالكتابة. يعتبر بولس نقطتين من الأمور المسلم بها: أولهما: إنه (أى فليمون) قد كان يود أن يساعد بولس بينما هو فى السجن، إلا أن مهاماً أخرى جعلت من المستحيل عليه أن يقوم بهذا. وثانيهما: أن أنسيمس فى مقدوره أن يخدمه جيداً كممثل لفليمون وعوضاً عنه. إن التماثل المتبادل (Koinonia مرة أخرى) بينهما كالسيد والعبد، تجعل خدمة أنسيمس مناسبة وتجعل بولس يقدّر فضل سيده فليمون فى عمله لأجله. (قارن ١ كورنثوس ١٧:١٦، فيلبى ٢: ٣٠، ٤: ١٨). فلو أن فليمون سلّم بهذه النقاط، فإن خطة الرسول تكون قد حققت هدفها. وحتى وإن كان بولس فى السجن فإنه هو يكون نقطة التقاء بين الطرفين المغتربين.


(١) يعتقد أحياناً أن بولس هنا كان يحاول استخدام قوانين العهد القديم المتعلقة بالعبيد (تث ٥:٢٣-١٦ .. إلخ). ولكن هذا فى رأيى يبدو مستبعداً.. حقاً إن هناك أصداء لمثل هذه الأفكار بالنسبة للشروط الموجودة فى العهد القديم (انظر التعليق على الآية ١٥ فيما يلى) لكن هذه ستكون طريقة لا تتفق مع شخصية بولس واستخدامه للعهد القديم، فإن متطلباته فى هذه الحالة بالذات تنتمى الى زمن (عهد موسى) الذى قصد العمل به أيام كان شعب الله كله من سلالة واحدة، بينما هم الآن ليسوا كذلك (غلا ۱۹:۳-۲۲).