سراج الكلمة
‹صفحة ١٥٠ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٥٠

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


له، فإن الأمر يبدو ظاهر التناقض من حيث ما يقتضيه من التوقير، والذى قد يبدو كما لو كان يقصد على كل حال أن يصدر أوامره إلى فليمون بديلاً من المناشدة على أساس من المحبة. إن أحد سبل الخروج من هذا المأزق هو أن ننظر إلى هذه الجمل على أنها محاولات للتهدئة. هذه هى الحقوق التى لبولس، ولكنه لن يلجأ إلى استعمال أى منها (وهو الرأى الذى يقول به كايارد Caird). ولكن الأكثر إقناعاً هو أن ندع ثقل الجملة يقع على العبارة التى تصف كلاً من «الأسير» و«السفير» (وهو ما أعتقد به وإن كانت القواعد النحوية تبقى غير مؤكدة). وأعنى بذلك أن يكون «أسيراً» و«سفيراً» للمسيح يسوع. إن بولس يخطو خطواته فى طريق يمكنه تمييز موقع قدميه عليه، وسيحقق أهدافه فى الآيات ١٧-١٩. فإذا كان بولس يكتب كسفير للمسيح، وكأسير له، فمن ثم تكون أنسب وسيلة له أن يستعمل ما هو للمسيح نفسه، أعنى أن يدع جانباً حقوقه لكى يأتى بالخلاص إلى الآخرين (انظر فيلبى ٢: ١-١١، ٣: ٢-١١). ومن ثم فإن الجملة تتمشى حينئذ مع كل مما يسبقها ومع ما يأتى بعدها: «لقد اخترت من أجل المحبة أن أطلب إليك، حيث إن هويتى الحقيقية هى شخصية بولس السفير، (والأسير الآن، علاوة على ذلك)، وليس ذلك فى هيئة سفير لملك متعجرف، يتحتم علىَّ أن أقلد غطرسته، ولكن كسفير عن المسيح يسوع الذى مارس سلطانه من على الصليب.

(عدد ١٠): يبنى بولس الآن على هذا الأساس: «أطلب إليك لأجل ابنى أنسيمس»، إن التأخير فى تسمية أنسيمس قد أوحى إلى البعض أن بولس أراد أن يفرغ من قول الكثير من الأشياء الطيبة عنه على قدر استطاعته. وقد يكون الأمر هكذا، ولكن المؤكد أن فليمون علم بسرعة أكثر من أى فرد آخر، أن عبده السابق قد عاد إليه. إن الموضوع الهام فى عودة أنسيمس هو أنه قد عاد لا كعبد وإنما كابن(١). لقد استخدم الربيون اليهود مجاز البنوية لوصف العلاقة القائمة بين التلميذ وأستاذه. ولقد كان بولس مغرماً باستعمالها للتعبير عن العلاقة القائمة بينه وبين الذين يؤمنون بالمسيحية على يديه (١كورنثوس ٤: ١٤-١٥، ٢كورنثوس ٦: ١٣، غلاطية ٤: ١٩، فيلبى ٢: ٢٢، قارن ١تيموثاوس ١: ٢، إلخ). لقد حدث ميلاد جديد للعبد. لقد أصبح ابنى الذى ولدته فى قيودى، أو بالترجمة الأقرب إلى اليونانية «الذى أصبحت أباه فى أسرى» بحسب ترجمة (RSV). إن الاسم «أنسيمس» يعنى حرفياً (نافع)، وهو مشتق من نفس الجذر اللغوى للعبارة «له بعض النفع» فى الآية ١١. ولقد كان اسماً شائعاً يطلق على العبيد، والأكثر احتمالاً أنه بدأ أولاً على هيئة لقب أو كنيسة. وعلى هذا فيمكن النظر إلى هذه الجملة على أنها تؤكد هذا المعنى، كما لو كانت تريد أن تقول: «الذى ولدته كأنسيمس»، أى الذى أصبح فعلاً نافعاً لى فى آخر الأمر بعد «ولادته الجديدة». ولكن يبدو أن فى هذا مغالاة فى الحدس بما تدل عليه الآية. وعلى العكس من ذلك فإن الفكرة القائلة بأن أنسيمس كان الاسم المسيحى الذى أطلق على العبيد فى معموديته، هو أمر غير محتمل، ذلك أنها قد تقلل كثيراً من تأثير اللعب بالكلمات والذى سيأتى فى ما بعد. إن أفضل طريقة للتعامل مع الآية هو القول بأن مناشدة بولس تتعلق بـ (وليست ببساطة «لأجل» بمعنى أن يطلب إرجاع) العبد أنسيمس الذى أصبح مثل الكثيرين ابناً لبولس، حينما أصبح من خلال خدمته ابناً لله.


(١) (انظر غلاطية ٤: ١-٧)، قارن (لوقا ١٥: ١٩-٢٤).