رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
الكلمة اليونانية (Koinonia) والتى يبدو أنها تعمل على نحو ما بطريقة آلية. والفكرة التى نحن فى حاجة إلى التوصل إليها - أى الفكرة الرئيسية التى تسيطر على الرسالة - هى أن المسيحيين فى المسيح، لا ينتمون فحسب الواحد إلى الآخر، بل إنهم أصبحوا فعلاً على علاقة تبادلية تجعل كل واحد منهم فى موضع الآخر وينعمون حقاً بالسعادة التى توفرها لهم هذه العلاقة، فرحاً مع الفرحين وبكاءً مع الباكين (رومية ١٢: ١٥، قارن ١كورنثوس ١٢: ٢٦، ٢كورنثوس ١١: ٢٨-٢٩)، إن الكلمة اليونانية (Koinonoi) من هذا المنظور هى جزء من الحقيقة عن جسد المسيح، إن الجميع فى رباط بعضهم إلى البعض الآخر، ذلك الرباط التبادلى القائم فيما بينهم والذى يجعل من فرديتنا التى نعلى كثيراً من قيمتها تبدو ضحلةً وتافهة. إن هذا المعنى الأساسى لكلمة (Koinonia) يفسر على أفضل وجه معانيها الأخرى، وبصفة خاصة «السخاء» أو «التصدق» (مثل رومية ١٥: ٢٦، ٢كورنثوس ٨: ٤). إن على المسيحيين أن يقدموا عطاياهم لبعضهم البعض لأنهم ينتمون بعضهم إلى البعض الآخر. وإن الترجمة التى جاءت فى (NIV) «لكى تكونوا ناشطين فى شركة إيمانكم» تقدم فكرةً غير جوهرية تماماً، من حيث أن عبارة «تستخدم اليوم للإشارة إلى المحادثات التى تجرى خلال عمليات التبشير بالإنجيل، وهى على الرغم من أهميتها، ليست ما يتكلم عنه بولس. إن (Koinonia) لا يمكن أن تعنى «المشاركة» بمعنى تقسيم شئٍ ما إلى أجزاء أو توزيعه إلى أنصبة. كما أن مثل هذه اللغة ليس لها أيةُ صلة من البداية بالشئون التجارية، إن الفكرة المفتاحية هى «المشاركة التبادلية»(١)، وعلى هذا يكون المعنى الشامل للآية «المشاركة التبادلية، والتى هى من خصائص إيمانكم» إن الإيمان مشار إليه على أنه إيمان فليمون، وليس ذلك لكونه يختلف فى ذاته عن إيمان الآخرين (إنه ببساطة الإيمان بيسوع المسيح، وهو كما سنرى هو الموضوع بأكمله). ولكن السبب فى ذلك ببساطة هو أن فليمون ذاته هو الشخص الذى يتوجه إليه بولس بمناشدته.
ومن ثم تأخذ بقية الجملة موضعها. إن بولس يصلى من أجل أن تعمل تلك المشاركة المتبادلة بقوة فى فليمون(٢) لينتج عنها «المعرفة». إن هذه المعرفة ليست مجرد الفهم النظرى وإنما هى الوقوف العملى الكامل على ما «يعنيه كل الأمور الصالحة أو كل الصلاح» أى الذى يعمله الله فى المسيح، والذى يجب أن يعمله فليمون تبعاً لذلك. إنها على صلة بكلمة «الخير» فى الآية ١٤: «ذلك الشئ الذى يُعمل أو يُنجز .... أكثر من كونه الشئ الذى نمتلكه أو يكون موضوع معرفتنا». وإذا كان بولس يسمح لمبدأ المشاركة (والتى هى فى ذاتها جزء من إيمانه بالمسيح) أن يعمل بقوة فى تشكيل تفكيره وحياته فإن النتائج الصحيحة لهذا الأمر سوف تتبع ذلك.
إن هذا الفهم للنصف الأول من الآية يقودنا أخيراً إلى حل مقنع للكلمات الأربع الأخيرة: «حرفياً: الذي فيكم لأجل المسيح». وتتخلى معظم الترجمات عن محاولة الاحتفاظ بذات كلمات بولس، ولعل المثال النموذجى للعديد منها ما جاء فى ترجمة (NIV) «الذى لنا فى المسيح» وربما يكون من الأرجح أن نتزود بالجذر اللغوى الذى
(١) هكذا يقول اوبريان - ورغم وجود تشابهات هامة بين فكرة بولس عن (الزمالة) وبين فكرة المشاركة فى العالم الرومانى - إلا أن ما لدينا هنا يتجاوز هذه المعانى .. ويلاحظ (سامبلى) تواجد حوافز المشاركة فى الآية (١٧) إلا أنه لا يرى أن هذا مؤسس على فكرة (الشركة المسيحية) المعبر عنها فى الآية (٧).
(٢) انظر الآيات المتماثلة فى أفسس ١: ١٧، فيلبى ١: ٩، كولوسى ١: ٩-١٠.