سراج الكلمة
‹صفحة ١٤٠ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٤٠

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


السكان مسترقة بالكلية لأشخاص آخرين، وسواء للأفضل أو للأسوأ، كانوا بلا حقوق، وبلا آمال وطموحات في مستقبل أفضل، كما كانوا عرضة للشرور الجنسية، فضلاً عن تعرضهم للتعذيب أو للموت لأتفه الأخطاء. وقد كان من حسن طالع بعض العبيد أن يكون سادتهم كرماء ولطفاء، وقد عبر كثير من الكتاب العلمانيين بنهاية القرن الأول الميلادي من اشمئزازهم من هذا التشريع الاجتماعي الظالم، ولكن بالنسبة للغالبية العظمى من العبيد، كانت حياتهم في أحسن أحوالها حياة الكد والكفاح والأعمال الشاقة والحقيرة، وفي أسوأ الحالات قائمة على الاستغلال المرير لهم. إذاً فلماذا لم يحتج بولس ضد هذا النظام الذي هو بكامله امتهان للبشرية؟

ما هي البدائل التي كانت متاحة له في هذا الوقت؟ لقد كان ملتزماً بأساليب الحياة ومعاييرها في الدهر الجديد في مواجهة تلك السائدة في الدهر القديم (كولوسي ٣). ولكن إطلاق صرخة عالية من الاحتجاج في تلك اللحظة من التاريخ الاجتماعي كان يمكن أن تؤدى عملها على مستوى الدهر القديم فقط، كما أنه ما كان يمكن أن ينظر إليها إلا باعتبارها صرخة نقدية من أحد أطراف المجتمع (ولما كان بولس نفسه ليس من ملاك العبيد، فلم يكن هناك أى شئ يخسره في هذا المجال) ضد طرف آخر، وبذلك سوف يكون ضررها أكثر من فائدتها إذ سوف تجعل حياة العبيد المسيحيين أكثر مشقة، وتحوّل أنظار السلطات إلى الكنيسة الناشئة بصورة تسئ إليها، وإذا كان بولس قد سجن لمناداته «بملك آخر» (أعمال ۱۷: ۷)، فيجب أن يكون واضحاً أن المملكة التي يُنادى بها هي من نوع مختلف تماماً عن مملكة قيصر. وبالإضافة إلى ذلك فإن مهاجمة العبودية في حد ذاتها قد تكون عديمة الجدوى كلية، وحتى إذا قام جميع المسيحيين في أيام بولس بإطلاق سراح العبيد الذين يمتلكونهم فجأة، فليس هناك ما يدل على أن العبيد أنفسهم أو المجتمع ككل سوف يستفيد.... فإن هذه الأعداد الكبيرة إذا صارت بلا عمل- في العالم القديم- ما كان يمكنهم ان يتحققوا بالحرية كما يتخيلونها. لقد كان أسلوب بولس أكثر براعة ودهاء. إنه يعرف بالطبع (١ كورنثوس ٧: ٢١-٢٣) أنه من الأفضل من حيث المبدأ أن تكون حراً أكثر من أن تكون عبداً. ولكن أسلوب بولس في تغيير المجتمع كأسلوب يسوع، كان يقوم أساساً على زراعة حبة الخردل، والتي وإن كانت أصغر جميع البقول في بداية أمرها، إلا أنها تنمو إلى شجرة وارفة الظلال كثيرة الأغصان. وفي نفس الوقت (انظر تفسير كولوسي ٣: ٢٢-٤: ١ هو يُعلّم العبيد والسادة أن يعاملوا بعضهم بعضاً بالمعاملة الإنسانية. إنه مثل الفنان أو الشاعر يقوم ببعض أعماله الرائعة الغنية ليس بتعبيرات مبهمة غير واضحة الدلالة المباشرة، ولكن بالالماعة المقنعة أو الإيحاء الساخر.

٣- موضع رسالة فليمون في العهد الجديد

لا نستطيع أن نقول: لماذا حُفظت الرسالة؟ قد تكون أن فليمون نفسه احتفظ بها واكتنزها. وربما يكون أنسيمس قد احتفظ بنسخة منها، وإذا كان هو نفسه الذى أشار إليه في ما بعد إغناطيوس كأسقف أفسس فيكون من المرجح أن تكون رسالته قد احتفظ بها مع غيرها في تلك المدينة. إن هناك شيئاً واحداً يمكن أن نكون متأكدين منه وهو أنه ما كان يمكن أن يحتفظ بالرسالة لو لم تكن قد قبلت بالروح الذي أرسلت به. إننا نكون