رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
الشخصية «إننا بالرحمة نجني أعظم الحمد وذلك حيثما يكون هناك سبب حقيقي يدعو إلى الغضب.. ولا تجني من الغضب سوى تعذيب نفسك الرقيقة». ويقف إلى جانب سابينيانوس ضد عبده المحرر سيئ الطالع {لقد أوقعت على الرجل توبيخاً قاسياً وأنذرته بحسم أنني لن أتقدم على الإطلاق بمثل هذا الملتمس ثانية}. إن الملتمس ليس من أجل المصالحة التامة من كل القلب، ولكن من أجل «ما كان يمتاز به في حداثته، ولدموعه، ولقلبك الحنون». إن دافع بولس ومناشدته، مختلفة بالكلية (وفي هذا إجابة على قول الآباء الأقدمين الذين اعتقدوا بأن هذا السفر غير لاهوتي وأنه لا يستحق نسبته إلى رسول). إن بولس لا يطلب إرادة طوعية أبوية وعفا الله عما سلف. كما أنه لم يتقدم بنصيحة طيبة لفليمون عن التجرد المشرف الذي لا يشوبه أي قلق من ناحية مشاعره أو أحاسيسه أو ما قد يدفعه إليه الغضب. إنه يسعى نحو الفضيلة المسيحية الحقة للمحبة المتسامحة، والتي تتطلب التواضع من كلا الطرفين- وأن يسعى أنسيمس لطلب المسامحة، وأن يتيحها له فليمون من جانبه. إن على أنسيمس أن يتخلى عن الخوف، كما يتخلى فليمون بدوره عن الكبرياء. كما أن الشئ الذي سوف يدفع الطرفين إلى عمل هذا الأمر، هو في صميمه حقيقة لاهوتية، وأعنى بها الشركة والتي هي من خصائص شعب المسيح.
ومن ثم، فإنه إذا كانت المصالحة المسيحية هي مقصد بولس، فإن صلاته في الآية السادسة هي القوة الدافعة في الرسالة بكاملها والتي وإن كانت موجزة في تعبيرها، إلا أنها شاملة في مضمونها في ضوء الرسالة ككل (انظر الملاحظات عن تفصيلاتها). إن على فليمون أن يفهم بصورة عملية معنى «الشركة»، وفي اليونانية (Koinonia)، إنها هي العلاقة المتبادلة بين أولئك الذين للمسيح.
يضع بولس نفسه في المقام الأول في صورة شديدة الصلة والترابط مع فليمون (الآيات ١-٧)، ثم يقيم بعد ذلك أوثق الرباطات الممكنة بينه وبين أنسيمس (الآيات ١٠-١٤). وكنتيجة لتبادل الأوضاع هذا بين الطرفين أصبح كلاً من أنسيمس وفليمون معاً في بولس (الآيات ١٧-٢٠). وكما يقول لوثر فإن بولس يقوم بدور المسيح في هذه السلسلة من الأحداث التي تنطوي على تضارب عنيف بين الأطراف، واضعاً نفسه في موضع المسئ، والمساء إليه صانعاً السلام فيما بينهما (قارن ٢كورنثوس ١٩:٥-٢١ والتي تنطوي على الكثير من الأفكار اللاهوتية والتي وضعت هنا موضع التطبيق العملي). والنتيجة لهذا كله أنه بدلاً من تمزُّق وحدة الكنيسة، فإنها تنمو معاً «لأجل المسيح» (الآية ٦). وستكون هناك على الدوام قوى تسعى لتمزيق وحدة الكنيسة. ولكن سيكون هناك على الدوام الإنجيل نفسه الذي يشير إليهم بطريق التواضع والتسامح والمصالحة، والتي هي السبيل الأوحد الذي بواسطته نتمكن من الحفاظ على الوحدة ليس بأسلوب مشكوك فيه وإنما بأسلوب راسخ موطد الدعائم.
والآن لماذا لم يطلب بولس مجرد إطلاق سراح أنسيمس من العبودية؟ ولماذا (وبالنسبة لهذا الموضوع) لم يأمر جميع المسيحيين الذين يمتلكون عبيداً أن يطلقوا سراح جميع عبيدهم، بدلاً من الاستفادة من البنية الاجتماعية الظالمة؟ إن العبودية كانت أحد الشرور العظيمة الفعلية في العالم القديم، والتي في ظلها كانت نسبة كبيرة من