رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
الهارب حريته (الآيه ۲۲). وعلى أي حال، فليست الناحية القانونية فحسب هى التى كانت موضع المخاطرة. لقد أصبح بولس فى موقف المواجهة مع اثنين من المسيحيين المبعدين، وكلاهما مدين بخلاصه- بعد الله- إلى بولس (الآية ۱۹). ولكن إذا كان الإنجيل الذى تقبّله كلاهما هو رسالة المصالحة (كولوسى ۱: ۱۸-۲۰، ۳: ۱۲-۱۷، قارن ۲ كورنثوس ٥: ۱۷-۲۱)، فإن فى مقدوره أن يحتضن كلاً من العبد والحر كما فعل مع اليهودى واليوناني، والذكر والأنثى (كولوسى ۳: ۱۱، غلاطية ۳: ۲۸). ويواجه بولس الآن قضية تعد امتحاناً حقيقياً لرسالته. إنه لا جدوى من الكرازة بنظرية عظيمة الوقع إذا لم يكن فى مقدوره أن يضعها موضع التنفيذ العملى عندما تقتضى الضرورة. وعلى هذا فإنه يقوم بإرجاع أنسيمس ثانية إلى كولوسى، ويعيده إلى فليمون. وقد بذل فى رسالته أفضل ما توافر لديه من براعة وحنكة وحسن تقدير للموقف، ضماناً لما سوف تتحقق من ورائها من المصالحة التامة. ولكن هل كانت المصالحة التامة بين فليمون وأنسيمس هى هدف بولس الرئيسى؟ لقد قيل إن المقصد الحقيقى من الرسالة هو التماس لفليمون لإعادة أنسيمس إلى بولس. وهكذا تقول الآيات ١٣-١٤ على الرغم من أن بولس كان يفضل الإبقاء على أنسيمس معه ليخدمه، إلا أنه يفضل أن يكون هذا الأمر بمحض اختيار فليمون، ولكن هناك أربع مشاكل تواجه هذا الرأى:
الأمر الأول: إنها تترك موضعاً فى الرسالة للآية ۲۱ «عالماً أنك تفعل أيضاً أكثر مما أطلب». وهذا يجب أن يعنى:
( أ ) إن بولس يتقدم بمطلب ابتدائى،
(ب) فإنه يشير كذلك إلى معروف أبعد من ذلك وإن يكن لم يعينه بالتحديد. ولكن إذا كان المطلب الأول هو من أجل أنسيمس لكى يكون على الدوام مع بولس، فماذا يمكن أن يكون بعد ذلك؟
الأمر الثانى: إن الآية (١٥) توحى بقوة أن كلاً من أنسيمس وفليمون على استعداد وعلى أقل تقدير، لأن يعيشا معاً سوياً ثانية. فإذا كان هذا هو المطلب الأساسى، فإن ما هو أكثر، ربما تكون إشارته الرقيقة إلى أنه وقد تمت المصالحة الكاملة بين فليمون وأنسيمس، فإن فليمون إما أن يمنح أنسيمس حريته، أو ربما (وقد يكون ذلك على نفس المستوى) أن يعطيه لبولس ليكون فى خدمته ورفيقاً له فى سفرياته.
الأمر الثالث: إن عبء هذه المناقشة يقع بكامله ليس على خدمة أنسيمس المستقبلية لبولس ولكن على المصالحة التى يرغب بولس فى إتمامها بين فليمون وأنسيمس. إن الأوامر الفعلية كلها تُشير إلى هذا المنهج. «اقبله نظيرى» (الآية ۱۷) «ثم إن كان قد ظلمك بشئ أو لك عليه دين فاحسب ذلك علىّ» (الآية ۱۸) أرح أحشائى (الآية ۲۰)، «أعدد لى دار الضيافة» (الآية ۲۲).
الأمر الرابع: إن البراهين المساندة لتلك المناشدة تشير على نفس المنوال إلى المصالحة كالغاية الرئيسية من الرسالة. وهناك تشابه هام تزودنا به رسالة بلينى الصغير لصديقه سابينيانوس الذى لجأ عبده المحرر (وهى تمثل درجة أعلى فى سلم العبودية) إلى بلينى طلباً للمساعدة (رسالة ۹: ۲۱). إن مناشدة بلينى تستهدف المصلحة