سراج الكلمة
‹صفحة ١٠٣ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٠٣

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


ترجم (Touch) «يجس»، وبذلك تقدّم لنا مقياساً تنازلياً متدرجاً (لا تمس، لا تذق، لا تجس!)، وهى فرائض على علاقة بالارتفاع التصاعدى في الوساوس الحمقاء. وليس من الصعب العثور على مثل هذا النوع من الفرائض في اليهودية المعاصرة لبولس. وليس هناك من داعٍ أن نبحث عن مصادر وثنية لهذه الفرائض أو نتصور أننا لن نصل إلى الخلفية الخاصة بهذه الأقوال إلا إذا وجدنا ديناً يقول نفس ما قاله بولس هنا. إن اللهجة السائدة على امتداد هذه الفقرة هى من ذلك النوع الساخر العميق في تهكمه، وهذا يستمر إلى نهاية هذا الأصحاح.

(عدد ۲۲): إن الحجتين اللتين عرضتا هنا ضد مثل هذا النوع من الفرائض وثيقتا الصلة بتلك التي نطق بها يسوع والمدوّنة في متى ١٥: ١-٢٠ ومرقس ٧: ١-٢٣ وتيطس ١: ١٤، بحيث رأى فيها كثير من العلماء أنه كان لها صداها الواضح في ضمير بولس. وقد يمكن الحكم على أرجحية هذا الرأى سواء كان أهل كولوسى قد تنبهوا إلى مثل هذه الإشارة أو لم ينتبهوا. إن البرهان الأول أن مثل هذه الفرائض معينة للاستخدام الذي للفناء، وهى تلقى الضوء على عدم جدوى الفرائض التي تعالج مثل هذه المواد -أعنى المواد الغذائية- حيث أن استخدامها الصحيح فيه فناؤها (قارن ١كورنثوس ٦: ١٣). إن «الفناء بالاستعمال» لا يعنى فقط فناؤها بمعنى الوقت، ولكنها تبين أن الأشياء التي تستخدم لابد أن تصبح غير مناسبة للاستعمال مرة أخرى. إن البرهان الثاني «لأنها قائمة على الأوامر أو التعاليم البشرية». وفى هذا إشارة (كما في متى ١٥: ٩ إلى إشعياء ٢٩: ١٣)، حيث يدين النبى معاصريه لأن ديانتهم لا تُعد أن تكون مظاهر خارجية ليست من القلب. إن (NIV) بإضافتها كلمة «لأن» (because) إلى الأصل اليونانى يبدو أنها تريد أن تجعل من هذه الجملة السبب في أن المواد الغذائية ستفنى بالاستعمال. ولكن من الواضح أن هذا الرأى ينطوى على الحماقة. إن الجملتين تقعان على التوازي، وفي كلتيهما تعليق مستقل على الفرائض التي سخر منها بولس في الآية ٢١.

(عدد ۲۳): إن النص اليونانى للآية الأخيرة من الأصحاح الثاني هى على درجة كافية من الغرابة جعلت العديد من المعلقين المتعمقّين، يقترحون أنه بالرغم من عدم وجود اختلافات في المخطوطات إلا أن تشويهاً في النسخ قد حدث في عصر مبكر أثناء النقل عن المخطوطات.. وعلى العكس من هذا يمكن القول بأن أية مخطوطة تقدم طريقة أيسر للتغلب على مشاكل الآية ٢٣ ستكون على الفور موضعاً للشك لهذا السبب عينه، ذلك أن الكتبة كانوا يبذلون جهدهم لجعل المخطوطات خلواً من الأمور العسرة، ولم يحاولوا على الإطلاق تضمينها ما هو غريب أو شاذ. إن الجزء الأول من الآية ليس صعباً إلى حد بعيد، وإن كان غير بارع في التعبير، ومن المحتمل أن تكون ترجمة (NIV) له صحيحة. مثل هذه الفرائض لها في الواقع مظهر الحكمة في نطاق العبادة التي تفرضها وهو المعنى الأرجح للكلمة التي توجد هنا فقط. وهى يمكن أيضاً أن تدل على نظام تم فرضه بالقوة: بتواضعهم الكاذب (كما في الآية ١٨، فإن فكرة «الكاذب» False يمكن أن نتحصل عليها من السياق) ومعاملتهم الخشنة لأجسادهم. وليس من الصعب علينا أن نصوّر نوع الدين الذي يقاومه بولس هنا. إن طقوسها المعقدة والخشنة في مظهرها والقائمة على التقشف والنسك وقمع الجسد تضفى عليها صورة الورع والتقى الجازم،