رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
إن المسيح يجمع في نفسه كل الذي عزاه اليهود إلى «الحكمة» (قارن أمثال ٢: ١-٨)، والتي تكرر لعدة مرات صدى الترجمة السبعينية LXX في فقرتنا الحالية. إن المسيح نفسه هو «سر الله»، إنه لا يزودنا فقط بمفتاح اللغز أو الذي يعطى معلومات وثيقة عن الله، كما لو كان هو نفسه شخصاً مختلفاً عنه، وتلك قضية أياً كانت حقيقتها، إلا أنها تظل مع ذلك قضية معنوية. إن كل الذي كان علينا أن نسأله عن الله ومقاصده يمكن - بل يجب أن يكون- في مقدورنا الآن الإجابة عليه. وهذه هي قوة الآية- بالإشارة إلى يسوع المصلوب والقائم من بين الأموات، المسيّا. إن أوصاف بولس المتكررة لمثل هذا الفهم بالغنى أو «بالكنوز» يدعو قراءه إلى استكشاف ما تتضمنه من معانى في لهفة وشوق.
(عددا ٤-٥): «وإنما أقول هذا » أي أقدم لكم كل تلك الحقائق الرئيسية ومضامينها الهامة؟: «لئلا يخدعكم أحد ببراهين تبدو في ظاهرها رائعة»، إن بولس لا يقول إن أهل كولوسى قد وقعوا في شراك الخديعة، ولكنه من واقع خبرته الطويلة يعرف أن عمل النعمة لابد وأن يتبعه هجوم من العدو، وأن الشكل المألوف الذي يمكن أن يتخذه هذا الهجوم هو الكلام الملق والتعليم المنمق القريب جداً من الحقيقة بحيث يبدو في ظاهره جديراً بالاهتمام والاحترام، وإنما هو في حقيقته، وإلى أبعد مدى، له تأثير هدام على الأفراد والجماعات. هذه هي الإشارة الأولى المحددة التى يقدّمها بولس، وهي أن رسالته كما تتضمن تعاليم لها صورتها السلبية، إلا أنها لها وجهتها الإيجابية والعملية كذلك. إن النقطة التي كثيراً ما يركز عليها الاهتمام في رسالته إلى أهل كولوسى هى أهمية التفكير الواضح المستقيم. إن الأسلحة الحقيقية التى يمكن بها مواجهة البراهين الزائفة التى يبثها المعلمون الكذبة لكسب الموقف، هى أن نسلّح أنفسنا بالبراهين السليمة المؤسسة على مركزية يسوع المسيح.
بولس نفسه كأستاذ للاهوت، يؤكد لأهل كولوسي أنه إنما يقوم بهذا العمل بدلاً عنهم بكتابته هذه الرسالة إليهم: «فإنى وإن كنت غائباً في الجسد لكنى معكم في الروح» (قارن كورنثوس الأولى ٥: ٣، ١ تسالونيكي ٢: ١٧). وهو في هذه اللحظة سعيد بما يراه: «فرحاً وناظراً ترتيبكم ومتانة إيمانكم في المسيح»، إن «الترتيب» و«المتانة» هي في أغلب الاحتمالات مجازات لغوية عسكرية. إن الكنيسة يجب عليها أن تتخذ موقف الاستعداد الصحيح للمعركة مستندة بظهرها إلى حائط دفاعى قوى، وأعنى به إيمانها في المسيح. إن بولس هناك بروحه، مثل القائد الذي يتفقد قواته قبل دخولها المعركة. ومن الممكن أن الكلمتين اللتين ادمجتا معاً في الترجمة (NIV) «فرحاً لأرى» يجب بقاؤهما منفصلتين عن بعضهما (فرحاً وناظراً). إن فرح بولس ليس فقط بسبب الاستعدادات الصحيحة للمعركة، كما هو الحال في ١: ٣-٥، بل بسبب الأعمال الكثيرة التى حققها الله بينهم. إنه فرح في الرب ليكون معهم، ملاحظاً باهتمام شديد استعداداتهم للحروب الروحية، وما يترتب عليها من صراعات عقلية، لن يلبثوا أن يُقحموا فيها بعد زمن قصير.
ثالثاً: الدعوة للنضج المسيحي (٢: ٦-٦: ٤)
الآن نأتى إلى القطاع المركزى للرسالة. وهو يضم بعض التقسيمات الواضحة للفقرات، ولكن لا يجب أن نظن