رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
المقدمة
١- ظروف كتابة الرسالة إلى فليمون
على الرغم من أن الرسالة إلى فليمون تعد أقصر رسائل بولس، إلا أنها أطول من أغلب الرسائل الدنيوية التى ترقى بتاريخها إلى نفس العصر. إنها ليست مجرد مقالة قصيرة عرضية، ولكنها قطعة أدبية صيغت كلماتها ببراعة فنية بالغة الدقة، فضلاً عن ما تنطوى عليه من اللباقة والسخرية. وليس هناك أى شك في أن بولس نفسه هو الذي كتبها. ولكن لماذا كتبها؟ وبصفة خاصة، لمن حقاً كان بولس يتوجه بحديثه، وما الذي كان يطلبه؟. يظهر أن فليمون هو المخاطب (الآية ١). ولكن هناك دعوى برأى مختلف أن فليمون لم يكن متوطناً في كولوسي وإنما كان مقيماً في لاودكية، وأنه كان المشرف على كل كنائس وادى ليكوس، وأن مهمته لم تكن تتعدى مجرد تسليم الخطاب إلى أرخبس (الآية ٢)، الذى كان المالك الحقيقى لأنسيمس، والذي كانت تجتمع في بيته كنيسة كولوسي، أو جزءاً منها (الآية ٢). كانت الرسالة من لاودكية، والتى كان يجب أن تقرأ في كولوسى (كو ٤: ١٦) هي (بحسب هذا الرأي) رسالتنا الحالية إلى فليمون، وأن «الخدمة» التى على أرخبس أن يتممها (كو ٤: ١٧) هي الموافقة على مطلب بولس بخصوص عبده «أنسيمس». ويقرن چون نوكس (John Knox) (وهو العالم الذى كان الرائد في الأخذ بهذا الرأى البديل)، بين رسالتنا الحالية وبين اقتراح (جود سبيد) قائلاً إن الرسالة قد احتفظ بها، على الرغم من طبيعتها الشخصية وغير اللاهوتية البادية عليها، لأنها كانت لها أهميتها الكبرى في نظر أول من قام بتجميع الرسائل البولسية، وأعنى به أنسيمس نفسه، أسقف أفسس المشار إليه بواسطة إغناطيوس فى رسالته الخاصة إلى أهل أفسس ١: ٣ (والتى ترقى بتاريخها إلى ما بين ١١٠-١١٥ ميلادية).
وليس فى مقدورنا إثبات صحة نظرية جود سبيد أو نقضها. إنها نظرية ممكنة، ولكن هل من الممكن ترجيحها؟ هل يمكن أن أنسيمس الذى تلقى تدريبه الباكر على يد بولس، وكان فى ذلك الوقت فى حوالى سنة ٥٥ ميلادية مجرد عبد يافع (أو ما بين سنتى ٦٠-٦٢، إذا كانت الرسالة قد كتبت من روما) أن يصبح شخصية تحتل مركزاً كنسياً رئاسياً فى سنة ١١٥ ميلادية. ولكن الاسم «أنسيمس»، كان من الأسماء الشائعة والمألوفة فى ذلك العصر، كما أن أصداء هذه الرسالة فى رسالة إغناطيوس كانت على الأغلب واهية جداً. كما أنه لم يكن هناك أى دليل على أن أنسيمس، سواء كان العبد أم الأسقف، هو الذى جمع «رسائل بولس». وحتى ولو كانت رسالة أفسس قد أعدت لتكون على رأس قائمة هذه المجموعة، فإن هذا الأمر لا يثبت شيئاً، وقد يكون (جود سبيد) مصيباً فى نظريته، بالقدر الذى يمكن أن يكون مخطئاً، وليست هناك أهمية كبيرة تاريخية أو لاهوتية ذات صلة بهذا القرار.
أما فرضية (نوكس) فهى أكثر تطرفاً (إذ يقول إن المخاطب الحقيقى هو أرخبس)، وقد ظهر في مواقف كثيرة