سراج الكلمة
‹صفحة ٧١ · فرانسيس اندرسن
أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٧١

أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس


كل شيء وهي بالتأكيد لا تنطبق على أيوب ــ كما يعلم هو وكما يعلم الله وكما نعلم نحن القراء أيضاً . ولكن أصحاب أيوب لا يمكنهم رؤية براءة قلب أيوب كما يراها الله ، ولا يمكنهم أن يروا مقاصد الله الحسنة ولا حتى أيوب يراها . إنهم يجب أن يستفيدوا من التعاليم اللاهوتية إلى أقصى حد كما يجب علينا نحن أيضاً . إن أصحاب أيوب كانوا على دراية جيدة ولكنهم كانوا يرتئون أكثر مما ينبغي . فقصة أيوب كانت حالة خاصة لا تنطبق عليها القواعد العامة . ولا يمكن أن يعالج حالته سوى صوت الله من وسط العاصفة وعندما يحدث ذلك فإن أيوب يحتفظ بالسر .

فبعد التوصل إلى أقصى فهم بشرى للإعلان الإلهى ــ لأننا يجب أن نتذكر أن الفهم الكتابى لأصحاب أيوب كان ممتازاً ــ نجد المشكلة العويصة للألم الذي عاناه أيوب دون استحقاق . إن قضية أيوب تفتح عيوننا على آفاق جديدة تماماً ، فهناك مساحة شاسعة من البؤس البشرى لا هو بالعقابي ولا بالعلاجي ولا بالنيابي عن الآخرين . إنه ألم بلا معنى . فالإجابة عن السؤال : « من أخطأ هذا الرجل أم أبواه حتى ولد أعمى » كانت « لا هذا ولا أبواه » ( يوحنا 9 : 2 ) ، « لم يخطئ أيوب » ( أيوب 1 : 22 ) . فإدانة البائس كشخص مرفوض من الله يدل على منتهى القسوة البشرية . إن أصحاب أيوب وهم يحاولون قدح زناد فكرهم لمساعدته على الشفاء الروحي قد زادوا من آلامه دون قصد ، فما يحتاجه أيوب هو العطف لا النصيحة ، وعجز أيوب كان مثاراً للإشفاق . فلو أنه أخطأ لأمكنه أن يتوب ولكنه لا يستطيع أن يخترع خطايا وهمية ليتوب عنها ، ولذلك لا يمكنه أن يفعل شيئاً حيال ذلك سوى أن يصرخ إلى الله من الأعماق ( مزامير 130 : 1 ) ففي ثورة الغضب هذه كان وحيداً حتى اكتشف إن الله لم يتركه نهائياً . ولكنه ــ كيسوع المسيح ــ لم يتلق في البداية ــ ولكن ليس لمدة طويلة ــ أى إجابة على صرخته : « إلهي إلهي لماذا تركتنى » ، ولكن طريق الجلجثة يصبح الطريق إلى الله . وقد دفعت مريم ثمناً باهظاً لكي تصبح أماً لابن الله ، فقد اجتاز في نفسها سيف ( لوقا 2 : 35 ) ، فلم تستطع أن تتجنب ألماً كان أيضاً امتيازها المقدس وفرحها . فالمتألم البريء هو أقرب البشر إلى الله من دون سائر الخليقة كلها .

وقد يتساءل المرء عما إذا كان هناك طريق إلى النور سوى طريق الألم .