أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
فليس الألم عقابياً أو تصحيحاً دائماً ولكنه يمكن أن يكون مهذباً ومعلماً لنا . إنه إنذار وتحذير . وهذه حكمة شائعة ( أمثال ٣ : ١١ ) ( عبرانيين ١٢ : ١٢ أ ) وهذا ما يؤكده اليفاز ( أيوب ٥ : ١٧ ) وبشكل خاص أليهو . إن الألم علاجي ووقائى .
إن مثل تلك الردود على سؤال أى إنسان ( لماذا أتألم ؟ ) تتعلق بالفرد ، إنها ردود قيمة ونافعة لأنها تأخذ الإنسان مأخذ الجد في علاقاته الأخلاقية بالله ، ولكن الإنسان ليس منعزلاً عن الآخرين ، فالكتاب المقدس يصور الإنسان ككائن فردى واجتماعى ، وقد أكد كل من إرميا وحزقيال هذه المسئولية الفردية ، ولكن ذلك ليس الحقيقة الوحيدة بل قيل ذلك لتصحيح خطأ أولئك الذين اقتبسوا مثلاً عن المسئولية الجماعية ( الآباء أكلوا الحصرم وأسنان أبنائهم ضرست ) وذلك لتجنب اللوم ، ولا تكتمل الصورة عند أى من الجانبين . فكل إنسان مسئول مسئولية مباشرة أمام الله ، ولكن الإنسان لا يقف وحيداً . فإنسان واحد يخطىء، فيتحمل الجنس البشرى كله عواقب خطيئته وينتفع كثيرون بصلاح إنسان واحد بأكثر مما ينتفع هو ، فكل واحد مرتبط بالآخرين ، فالجميع متشابكون فى علاقات بشرية متداخلة . وألم أى أنسان لا يمكن أن يكون خاصاً به وحده تماماً سواء فى الأسباب أو النتائج . والكتاب المقدس يعترف بحقيقة أن نتائج الشر موروثة من أسلافنا ونشارك فيها أبناء جيلنا ونورثها نحن بالتالى لأحفادنا . وهذه الحقيقة الأكيدة تنطبق على جميع المشاكل التى نصادفها في الحياة . فإذا كان الألم والبلوى عقاب الخطية فلماذا يتألم أيوب بسبب أخطاء شخص آخر غيره ؟ إن أيوب يعرف أن متاعبه سببها فعلة الشر وقوى الطبيعة والمرض وهى أشياء يمكن أن تصيب أى واحد . ونحن نعلم أن وراء تلك الحوادث يوجد حقد الشيطان ، ولكن وراء الكل ، ما تصعب رؤيته ، عدالة الله ومقاصده الصالحة . ومع ذلك وبالرغم من هذه الأفكار المقلقة ، فجانب من الإجابة ، أن يتقبل الشخص بمحض اختياره الألم كضريبة يدفعها لأجل حرية الآخرين . فقد يثوب المرء لرشده عندما يتذكر مناسبات سبب فيها الأذى للآخرين عمداً أو إهمالاً وعندما يميل إنسان للشكوى قائلاً « ولماذا لم يمنع الله فلاناً من إلحاق الأذى بى ؟ »، يمكنه أن يسأل نفسه عما يمكن أن تكون عليه الحياة لو أصاب الشلل ذراعه مثلاً فى كل مرة يرفع فيها هذا الذراع لتسديد ضربة غاضبة أو ليسرق .