أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
طريق واحد دائماً فى الكتاب المقدس . وهذا التغيير الفكرى يعد تغييراً جذرياً لدرجة أنه يمكن أن نسميه ( تجديداً ) ، ولكنه ليس كالتجديد الأول الضرورى لأى شخص يرغب فى الدخول إلى أهل بيت الله والذى فيه يترك الخاطىء التائب طرقه الشريرة ويقبل الغفران . فمثل هذه التوبة لا يُطالَب بها أيوب ، ولا يطلب منه أيضاً أن يتنازل عن ادعائه بأنه يسير في الطريق السليم فمجرد الحقيقة بأن الله لم يتقدم ( كما فعل الاصحاب ) بقائمة من خطايا أيوب لهو دليل كاف في حد ذاته بأن ذلك ليس مطلوباً . وأن يتكلم الله فقط فذلك فيه كل الكفاية لأيوب . فكل ما يريد أن يعرفه أيوب أن كل شيء لا يزال على ما يرام بينه وبين الله ، أما بعد ذلك فهو لا يهتم بما يحدث له . وقد استرد أيوب هذا التأكيد بعد أحاديث الرب إلى هذا الحد لا يهم أيوب كثيراً ما يتحدث عنه الاصحاب ، وأى موضوع يصلح لمحادثة مرضية بينهم ، فيكفى أنهم يستمتعون بالحديث فيما بينهم ولكن هذا لا يعنى أن مضمون أحاديث الرب غير ذات موضوع ، فهى تقود إلى الاقتناع والقناعة الكاملة ولو عن طريق غير مباشر . والاعجاب الشامل لدى القراء بالشعر الرفيع المستوى لهذه الاحاديث يمتزج دائماً بالحيرة بسبب مضمونها الغير متوقع . فهى جميعاً تتكون من قصائد عن الطبيعة وليس فيها سوى النذر اليسير من سيادة الله وتصريفه لأمور البشر ومعاملاته مع الناس . وعند قرائتها لأول وهلة تبدو الأحاديث وكأنها تزيح الاحداث التي سيطرت على السفر جانباً ، فليس فيها إشارة لاختبار أيوب أو إلى مشكلاته ، وليس فيها حوار عن أى من الاشياء التي تحدث عنها أيوب أو عن المتحدثين الآخرين .
والقرار الواضح : وهو تعريف أيوب اخيراً بأن الهدف من كل ذلك أن يكشف له حقيقة الشكوك التى حامت حول شخصيته بفعل الشيطان وأن الرب قد أجاز أيوب بثقة في الامتحان ، ذلك القرار لم يكشف النقاب عنه بعد(١) ولقد وجد كثيرون من القراء المبهورين أن استجابة الله ليست محيرة
(١) من الروائع العديدة التى فى السفر أن أيوب قد توصل إلى اقتناع كامل دون معرفة كل الحقائق المتعلقة بقضيته . أما فيما يختص بالطريقة التى بها عرض الشيطان الموضوع فكان لا بد من عمل شيء لانقاذ أيوب من التشويه الذى تعرض له . ولا يمكن للامتحان إن يكون امتحاناً أذا عرف أيوب الهدف منه ، ولقد سمح الله لأيوب أن يجتاز فى اختبار الترك والهجران ليتمكن من دخول حياة الإيمان المجرد وأن يتعلم أن يحب الله لذاته فقط . ويبدو ان الله لا يعطى هذا الاختبار للكثيرين من البشر لأنهم يدفعون ثمناً باهظاً من الألم للتوصل إلى تلك الاكتشافات ولكن جانباً من الاكتشافات ينحصر في رؤية الألم ذاته كواحد من أثمن هبات الله .
وإن تحجب القصة بكاملها عن أيوب حتى بعد انتهاء الامتحان يجعله يظل سائراً بالإيمان وليس بالعيان . إنه لا يقول فى نهاية الأمر ( الآن أرى كل شيء ) فهو لا يرى كل شيء ، ولكنه يرى الله ( ٤٢ : ٥ ) ولربما كان من الافضل ألا يخبر الله احدا منا بكل تفاصيل قصة حياته .