سراج الكلمة
‹صفحة ٢٧ · فرانسيس اندرسن
أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٢٧

أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس


وهذا العمل الأدبى يتكون من ست قصائد تنعى اختفاء السلوك القويم ولكنها لا تجد أذناً صاغية وسط التحولات الاجتماعية في ذلك العصر . إنه ذلك الصوت المألوف كرد فعل سياسى ، وتحول الأغنياء إلى فقراء والعكس بالعكس والذى كان يعتبر في العهد القديم شيئاً عظيماً كعمل من أعمال الله وشئونه في خلقه يشار إليه باستياء في ذلك المؤلف المصرى ولكن لا توجد فيه أية إثارة لمشكلات الحق والباطل .

وتمت أيضاً مقارنة أحاديث أيوب بمناجاة النفس في أدب التشاؤم ، فاليأس من الفوضى السائدة في المجتمع يعبر عنها في عمل مصرى آخر ينتسب لأواخر الألف الثالثة قبل الميلاد ، ويبدأ العمل أيضاً بالنثر ثم ينتقل إلى الشعر لينتهى بالنثر ، وذلك العمل عنوانه ( خلاف حول قضية انتحار ) له شكل حوار رجل مظلوم مع نفسه ، فهو يقول إن الانتحار هو أفضل الحلول لمشكلة الحياة ، والحنين للموت معبر عنه بكلمات تدعو للمقارنة بين هذا العمل وبين الأصحاح الثالث من سفر أيوب ، ولكن إلى هنا ينتهى التشابه . إن اليأس من الحياة شيء شائع ولكن أيوب أبعد ما يكون عن رثاء النفس لدى ذلك المصرى فالأخير لا يقاوم ولا يجاهد للوصول إلى الأهداف النهائية ولكنه يسعى للتخلص من الحياة كشيء لا معنى له ، ولكن أيوب يقرر البحث والتقصى ، والمصرى لا يسأل الآلهة ، ولكن أيوب يصر على الحصول على إجابة من الرب نفسه . ومع أن أيوب أحياناً يناجى نفسه إلا أنه في الأغلب منهمك في حوار مع أصحابه بفكر ثابت ، و لم تخطر فكرة الانتحار عليه قط بل على العكس فهو يرفض الموت ، ويبغى تحقيق آماله في الحياة . إن أيوب غاضب ومتألم ولكنه غير حاد الطبع أو ساخط إطلاقاً . وخلافاً لثورة أيوب أو حدة الطبع التي بدرت في المؤلفين المصريين هناك التأمل الهادىء في الموت الموجود في أغنية « عازف القيثارة » ، ومن حيث أنه لم يقم أحد من الموت ليخبرنا ما الذى رآه فأفضل ما يمكن عمله أن نستمتع بهذه الحياة طالما كانت هناك بقية من حياة ، هذه المشاعر تذكرنا بما جاء في سفر الجامعة من تأييد للاستمتاع بالحياة أكثر مما تذكرنا بمجادلات أيوب العنيفة .

وبعض الكتابات المتشائمة من بلاد ما بين النهرين أيضاً تأخذ شكل حوار ، وأقربها لسفر أيوب مناقشة بين سيد مع عبده عن فراغ الحياة .