سراج الكلمة
‹صفحة ١٥٥ · فرانسيس اندرسن
أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٥٥

أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس


وثانياً : لأن أفكار الإنسان عن العدالة تختلف عن أفكار الله حتى أن أى إنسان لا يتوقع أن يعترف الله ببره ، وما على الإنسان إلا أن يخطو خطوة أخرى ليقول إنه طبقاً للمقاييس البشرية فإن الله غير عادل ، والشخص الذى يخطو تلك الخطوة يكون قد سقط فى هاوية لا قرار لها . ولذا فمن الأهمية بمكان أن يكتشف أن كان فكر أيوب قد تطرق إلى هذا الاتجاه أم لا . ونحن لا نعتقد بأن مفتاح هذا الحديث موجود فى الاستنتاج « بأن موضوع هذا الأصحاح كله هو استحالة الحصول على العدالة من الله » ، فلو كان أيوب قد توصل إلى هذا الاستنتاج لكان أبطل كل محاولة للمعرفة ، ولكان بذلك قد جدف على الله فى قلبه ( أنظر ١ : ٥ )

إن الأسلوب الوقور ــ لا السخرية ــ الذى يتحدث به أيوب عن حكمة وقوة الله يبين كيف أن فكره خاضع تماماً لقوة وعدالة الله حتى وإن كان هذا الفكر غير قادر على استيعاب تلك الحقائق . إن إيمانه سليم حتى وإن كان قد اندفع نحو الظلام أو كما يقول هو بطريقة مأساوية « نحو الهاوية » ( ٣١ ) (١)

إنه لا يستطيع أن يرى الله وهذه مشكلته ( ١١ ) وسؤاله ( كيف ) يتردد مراراً وتكراراً كيف يضمن تزكيته أمام الله ؟

إنه لا يشك أنه أهل للتزكية ولكنه يعلم أنه لا يستطيع أن يضمن ذلك ، ولا يستطيع أن يستدعى الله باستخدام الوصفات البسيطة لأصحابه إن إله أيوب أعظم من ذلك بكثير .

ويعطى أيوب بسؤاله البعد الصحيح باستحضار قوة الله العظيمة فى الخلق ( أعداد من ٣ ــ ١٢ ) وسلطانه الذى لا ينافسه فيه أحد فى دينونة العالم ( من ١٣ ــ ٢٤ ) وإذ يشعر بالخذلان لإحساسه المتكرر بضعفه فهو يعبر عن حنينه لِمُصالح ( ٣٣ ) بينه وبين الله وبهذه الفكرة يتجدد إيمانه ، فهو يدعو ذلك الإله المحتجب وإن كان هناك أى تحد فى موقف أيوب فإن ذلك يرى فى ذلك الإصرار وتلك المثابرة التى تندفع بها صلاته نحو قلب الله ( ١٠ : ١ ــ ١٧ ) والشفقة التى لم يجدها من أصحابه البشريين ( ٦ : ١٤ ) ما


(١) « فى النقع تغمسنى » فى اللغة العربية ولكن فى الانجليزية « تدفعنى نحو الهاوية » المترجم