أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
( ١١ و ١٢ ) يقول بعض الأشخاص إنهم يجب أن يقبلوا الحقيقة المحزنة بأن الموت هو نهاية كل شيء من الوجهة الفلسفية وأن عليهم أن يستغلوا هذه الحياة العابرة والعابثة أيما استغلال ، ولكن أيوب لم يفعل هكذا .
لقد سبق أن اختبر بعمق أن الحياة يمكن أن تكون ذات معنى في العلاقة السليمة مع الله ، علاقة لا تعنى صلة سرية وروحية بين الإنسان والله بل تشمل وجود الإنسان كله في كل ما يتعلق به من روابط أسرية ، وعمل وصحة جسدية كذلك . والله وحده يمكن أن يهب تلك العلاقة ويبقى عليها ، ولقد كان أليفاز مخطئاً في اقتراحه ( ٥ : ٨ ) بأن الإنسان يمكن أن يضمن تلك العلاقة ببره أو بإيمانه .
ولكن لماذا يتخلى الله — وليس غيره — عن علاقته مع أيوب ؟
لقد تحول وجود أيوب إلى كابوس مخيف يحاول فيه الله ، كالموت في الأساطير القديمة ، أن يخنقه ويحتج أيوب على ذلك بقوله : لماذا ؟ إنه يسأل الله : لماذا ؟ ومجرد هذا السؤال يدل على قربه من الله . وأيوب الآن لا يحاول « تزيين » « إنسان القلب الخفى في العديمة الفساد » زينة الروح الوديع الهادىء الذي هو قدام الله كثير الثمن ( بطرس الأولى ٣ : ٤ ) ، ولكن هذا لا يعنى أن حالته المزاجية المغايرة لذلك لا تؤهله أن يدعى التقوى .
« فالاطار التقوى الهادىء للسير مع الله » ليس هو النموذج المثالى للديانة الكتابية ، فقد صلت ( حنه ) وكأنها امرأة سكرى ( صموئيل الأول ١ : ١٣ ) ، « وقدم يسوع بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات وسمع له » ( عبرانيين ٥ : ٧ ) . وهكذا يشق أيوب طريقه نحو الله بصلوات من دموع وتأوهات ، فالديانة التي تمحو البكاء من قاموس الصلاة لهى ديانة ضيقة الأفق ، ومجردة من الإنسانية .
ولذا نرى أيوب في عذابه يسترسل في حديثه ، ولا يلقى عليه قيداً بل ينطلق بقوة ليقول :
أنا أيضاً لا أمنع فمى !
أتكلم بضيق روحى !
أشكو بمرارة نفسى !