أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
يوصف للمتألمين هو الاستسلام المطلق لإرادة الله دون نقاش وكبح جماح كل المشاعر أو على الأقل تلك المشاعر المتعلقة بالحزن واستنكار الأغلبية المستضعفة التي لا تستطيع السير بهدوء في أتون التجربة هدوءاً لا يعكر صفوه نيران الغضب الجياح . فلا عجب إذن أن نرى ذلك التقليد لا يتخذ أيوب كمثال يحتذى به وقد أعتبر إشارة يعقوب لصبر (١) أيوب شيئاً يصعب تصديقه ، واعتبر حزنه الطاغي (٢) وثورة غضبه أفعالاً جسدية لا روحية .
ولكن أيوب رجل حزين مذلول ويشعر بالألم . جلده يلتهب وأعصابه تحترق ؛ إن إنساناً من الحجر أو النحاس ( أيوب ٦ : ١٢ ) كان يمكنه أن يظل بلا حراك ولكن كإنسان حقيقي فكله اضطراب وانزعاج . وامتحان الرب له لم يكن ليعرف إذا كان أيوب يمكنه أن يجلس هكذا جامداً كقطعة من الخشب .
( ٢ ) ( وأخذ أيوب يتكلم فقال ) :
إن بكاء أيوب يشبه مزامير الحزن الكتابية الأخرى التي وردت في ( إرميا ٢٠ : ١٤ — ١٨ ) ومراثى إرميا ( ٣ : ١ — ١٨ ) وكلها تصب في بحر آلام يسوع الرهيبة ( متى ٢٧ : ٤٦ ) كالصرخات الحقيقية للبشرية الضالة محاولة أن تجد إلهها الذي فقدته . فليس هناك مجال إذن لاستنكار ما قاله أيوب ، فالنقد الشكلى أيضاً يساعدنا على فهم الغرض التقليدى لهذا النوع من الحديث . فإذا كان على شكل لعنة كئيبة بأسلوب مبالغ فيه إلا أن المقصود منه هو البكاء على بؤس إنسان واستثارة العطف الإلهى والبشرى ، والشعر يعبر عن الصرخات العنيفة . ونجد التعبيرات فيها توتر وقواعد النحو صعبة.
(١) يعقوب ( ٥ : ١١ ) والكلمة حقاً تشير إلى فضيلة الاحتمال والمثابرة الدؤوبة.
(٢) أن المثال الذي قدمه يسوع لنا في مر ١٤ : ٣٤ لابد أن يسكت للأبد كل نقد موجه لأيوب لأجل دموعه . فالكلمة اتخذ جسداً بشرياً حتى يستطيع أن يبكى . والتمسك بفضيلة عدم الانفعال أو البكاء عند شعوب كثيرة خصوصاً بالنسبة للرجال يرجع إلى تأثير شيشرون وآخرين على الرجال في عصر النهضة . أنظر مثلاً مثال De Montaine عن الحزن . وما زالت وسائل الإعلام تمجد أصحاب الوظائف العامة الذين يتماسكون ولا يبكون . ويبدو أن أصحاب أيوب كانت لديهم قدرة بسيطة على البكاء مع الباكين رو ١٢ : ١٥ وعندما نتضايق من الذين يبكون في الأحزان تظهرنا بنفس مظهر غير القادرين على المشاركة .