أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
لا يوجه اللوم إليه ، وهو لا يتساءل لماذا يرسل الله العاصفة ، ولماذا يسمح بالجريمة وبضياع إنجازات الإنسان . وهو غير حريص على معرفة سبب معاناة الأبرار أى أنه لا يطلب من الله تفسيراً مقنعاً لذلك ، وحتى لو جاء أصدقاؤه بإجابات لا يمكن دحضها على تلك الأسئلة ، فالحقائق التي أزعجته سوف تبقى .. فما أشقى الوجود البشرى ، ما أشقاه حتى أنه من الأفضل أن ينهى الإنسان حياته بسرعة ، وكان من الأفضل لو لم يوجد إطلاقاً . هكذا يسترسل أيوب في شكواه . فهو يسب يومه ( ٣ - ١٠ ) ، ويحن للموت ( ١١ - ١٩ ) ويندب الحياة ( ٢٠ - ٢٣ ) وينهى حديثه بأنين ( ٢٤ - ٢٦ ) .
ولا يمكن أن نؤكد بأن العواطف المتأججة الموجودة في هذا الحديث تعنى أن أيوب قد استسلم تحت ضغط المشكلات ، وليس هناك إشارة لأن يكون الشيطان قد نجح في النهاية في تحقيق هدفه . إن الإتيكيت البورجوازى الذى سيطر على أخلاق المسيحية الغربية وبخاصة تقليد ( البيوريتان ) لا يصلح لأن يكون هادياً لنا للحكم على صواب حديث أيوب فضبط النفس شيء يختلف تماماً عن عدم إظهار المرء لعواطفه ، وأيوب ليس رواقياً مجاهداً ليكون صافى الذهن دون مشاعر ، فالكتاب المقدس لا يعرف شيئاً عن تلك الفلسفة التي تجرد الإنسان من إنسانيته ولكننا نتبع تقليداً من التقوى الباهتة بلبلت أفكار المسيحيين بأخلاقيات الرواقيين التي وإن كانت نبيلة إلا أنها وثنية (1) ثم أضيفت إلى ذلك إنحرافات أخرى قادت إليها أنواع مختلفة من المذاهب الغنوسية والمانوية (2) حتى عُرِّف الكمال المسيحى بأنه انتصار العقل على العاطفة (3) والتي تتخفى أحياناً تحت ألفاظ بولس « الروح » و «الجسد » والعلاج الذى
(١) إن تاريخ تفسير ثمار الروح والتي تترجم عادة « التعفف » ( غلاطيه ٥ : ٢٣ ) مفيد لنا بهذا الخصوص . فمن ضبط النفس الذى يحرر طاقات الرياضى فينجز أعظم الإنجازات الرياضية ( كورنثوس الأولى ٩ : ٢٥ ) إلى مجرد الكبت السلبى للرغبة وبخاصة إدانة إشباع الحاجات الجسمية حتى أن الزهد الكامل مثلاً يعتبر في حد ذاته فضيلة كبرى .
(٢) الغنوسية مذهب ينادى بأن المادة في حد ذاتها شر والمانوية مذهب يقول بأن العالم تسيطر عليه قوتان قوة النور أو الصلاح الممثلة في الله وقوة الظلام وتمثل الشر أو الفوضى ( المترجم )
(٣) وسوف أشير فقط إلى نظرية ( وليم لو ) في « دعوته الجادة لحياة مقدسة » في هذه الفقرة : « أن ديانة الإنجيل ما هي إلا تنقية وإعلاء أفضل ملكاتنا كما أنها تتطلب فقط استخدام العقل واستعمال هذا العالم بحسب ما تمليه علينا عقولنا ، وأن تتحكم في طباعنا ما يمجد الكائنات العاقلة » إن المعلقين الذين دربوا على ذلك النوع من التقوى لابد أن يستنتجوا أن أيوب كان خاطئاً كبيراً لأنه كان حاد المزاج .