أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
أ ــ رثاء أيوب ( ٣ : ١ ــ ٢٦ )
في الحديث الأول نرى منظراً للبؤس البشرى بحدة تفوق الوصف ، ويصاب أيوب بذهول لأنه لا يمكن أن ينكر أن الرب هو الذي فعل كل هذا به ، وما يدعو للرثاء أكثر من سؤاله الذى وجهه ( لماذا ) ، والذى لا تستطيع إجابة زملائه أن تقنعه بأى شيء ، حاجته الملحة ليجد صديقه المفقود ثانية . وفى ظل هذه الأحوال ، فلا يمكن توجيه اللوم للأصدقاء ، على الرغم من أن جهودهم المخلصة تزيد من متاعب أيوب أكثر مما تشيع فى روحه الهدوء ( ١٦ : ٢ ) ، لأن الرب وحده فقط ، فى النهاية ، يمكن أن يريح فكر أيوب الداخلى ، ليس لأنه يجيب على الأسئلة أفضل من أصحابه فهو لا يبدو أنه يجيب على كل تساؤلاته ولكن بعد أن تكلم ، فقد تخلى أيوب عن أسئلته طارحاً إياها خلفه .
( ١ ) إن أيوب هو الذى تخلى عن صمته الطويل ( ٢ : ١٣ ) ، لقد مضى عليه وقت أخذ يفكر فيه فيما كسر قلبه . كان مرتعباً ومطحوناً تحت ثقل حزنه ، وكان حزنه عميقاً لأن الحياة قد أعطته الكثير . إنه لا يفلسف حالة الإنسان فى هذا العالم ، مع أن المقارنة سهلة وما يقوله يمكن أن يطبقه أى متألم على حالته . وحالته الراهنة تهدد بأن يكف عن إيمانه بصلاح الله الذى جعله إنساناً ، أفضل خليقة الله وفى استطاعته أن يفعل الكثير ، وأيوب نفسه ، أفضل الكل والذى يعتز به الله ( أيوب لا يعرف ذلك ) وهو مكافح ونبيل وغيور ومثال الكمال فى هذا العالم ، نراه الآن جالساً فى التراب بلا ماضٍ أو مستقبل مع حاضر ملىء بالآلام . أما إذا فكر فى المستقبل فكل ما فيه موت يرحب به كوسيلة للنجاة من حاضر يائس مكروه ، ولكنه الملاذ الوحيد من حياة ملؤها العبث ، مثل هذا الفكر قد يجعل المرأة أو الطفل يبكيان ، أما الرجل فيسب « فتح أيوب فاه وسب » (١) من المهم أن تلاحظ أن أيوب لم يسب الله ، وفى البدء لعن الرب الأحوال البائسة التى نجمت عن خطية والدينا الأولين والله لم يلعن الإنسان ، وأيوب لا يسب نفسه لقد ( سب يومه ) أى يوم ميلاده كما لعن الله الأرض ، ومع ذلك فهو لا يسأل الله وطبعاً
(١) إن كان كلام أيوب الأول يتميز بالأنفعال فهذا يعنى أنه لا يمكن القاء اللوم على أصحابه وحدهم عندما استثاروه ليغضب .