أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
والتركيز على هذا الجانب من أحاديث أيوب ضرورى لفهم السفر ككل ، وتأييد الله النهائى لموقف أيوب لا يعنى أن كل حديث لاهوتى ينادى به صحيح ، وأن ما ينادى به أصحابه خطأ . فالأمر ليس بهذه البساطة . ومن الصعب أن نجد فى السفر موقفاً ليس صحيحاً إلى حد ما إذا نظرنا إليه بمعزل عن المواقف الأخرى . فالسفر لا يقف موقفاً جدلياً ضد أى نظرية ، وبعض صلوات أيوب عنيفة ولابد أنها كانت تبدو خطرة من وجهة نظر أصحابه المحترمين ، ومحاولاته الجريئة للوصول إلى فكر الله تتركنا لاهثى الأنفاس . ولابد أنها أقلقت أصدقاءه الحذرين ، فهو حاد الطبع وهم هادئون . وهو ملىء بالحماس وأمين وصادق مع نفسه ، وهو يخبر الله عن شعوره بالضبط وعما يفكر فيه ، ويصعب أن تجد صلوات أفضل من ذلك .
وهناك جانب آخر من أحاديث أيوب وهى أنها لا تحتمل تأكيداً أكثر من ذلك . فالدارسون الذين يعلقون على السفر بالقول إن ثورات أيوب العنيفة فى الحوار تختلف عن هدوئه فى استهلال السفر يفوتهم حقيقة أن أيوب ما بكى أبداً على خسارته فى الأصحاح الأول ولا على مرضه فى الأصحاح الثانى ، فهو منطقى تماماً مع نفسه ، لأن اهتمامه منذ البداية حتى النهاية لم يكن منصباً على ثروته أو صحته بل على الله وعلى حياته مع الله . فهو فى عذاب شديد لأنه يبدو كما لو كان قد افتقد الله . هذا الضمير الحى لا يستبعد خصوصيات حياته البشرية ــــ كعمله وعائلته وجسده من المشهد كشىء لا علاقة له بالله .
فلا شىء يمكن أن يكون غريباً عن فكره وعن الديانة الإسرائيلية عموماً أكثر من عزل العلاقة بالله كالشيء الوحيد ذى القيمة عن حياته جاعلاً الله غير مبال بالفقر أو الحزن أو الألم . على النقيض من ذلك ، فالعلاقة بالله تُعرف من خلال تلك الأمور العادية . فبدون تلك الأشياء فإن أيوب لا يخسر إنسانيته فقط بل يخسر الله أيضاً .
ونجد أمامنا الإجابة جاهزة ليس عندما يقابل الله ( وحده ) أيوب ( وحيداً ) ولكن عندما يوجد الله فى عالمه ( أحاديث يهوه ) وعندما يجد أيوب نفسه مرة أخرى محاطاً بالعائلة والأصدقاء وحتى الحيوانات .