أيوب - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير سفر أيوب من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
وسلوكهم فيما بعد يظهر تعاطفهم مع أيوب في محنته . ويجب أن نفترض أن الكلمات التي تفوهوا بها بعد ذلك بالرغم من أنه تنقُّصها الدقة والكياسة إلا أنها كانت مخلِّصة كذلك .
( ۱۲ ) ( لم يعرفوه ) حيث أنهم كانوا على بعد من أيوب فهذا لا يعنى أنهم ظنوه شخصاً آخر ، لقد رأوا كيف كان أيوب مختلفاً عما كان عليه آخر مرة ( قارن إشعياء ٥٢ : ١٤ ، ٥٣ : ٣ ) .
والعلامات التقليدية للحزن كتمزيق الجبة وذر التراب في الهواء ليسقط على رؤوسهم مع البكاء لا يعنى أنهم لم يكونوا حزانى في قلوبهم حقاً لأنهم إنما يتبعون تقليداً معيناً في التعبير عن حزنهم .
( ۱۳ ) ( وقعدوا معه على الأرض سبعة أيام وسبع ليال ولم يكلمه أحد بكلمة لأنهم رأوا أن كآبته كانت عظيمة جداً )
ونفس الشيء ينطبق على جلوسهم معه ( على الأرض ) وما كان ذلك ممكناً لو أن أيوب كان منبوذاً بمعنى الكلمة ، فلو كان أيوب أبرص لكان هذا العمل من جانبهم لا يماثله إلا عطف يسوع على الأبرص كما جاء في ( مرقس ١ : ٤١ )
( سبعة أيام ) هي فترة الحداد على الموتى ، ولكن لا يمكن أن نستنتج من ذلك أن الثلاثة أصحاب اعتبروا أيوب في عداد الموتى ، فحزقيال جلس متحيراً سبعة أيام عند مقابلته للمسبيين ( حزقيال ٣ : ١٥ ) ، وهنا نجد سبباً مشابهاً فقد رأوا أن « كآبته كانت عظيمة جداً » .
وكان انتباههم مركزاً لا على الشر كشيء مجرد ولا على المشكلة الأخلاقية للألم بلا سبب ، بل على الوجود المادِّي للإنسان في مقابل الألم الجسدِي ، ولذا فلم يكن هناك ما يقال . لقد ارتعب هؤلاء الحكماء وصمتوا . لقد كانوا أصدقاء حقيقيين لم يقدموا لأيوب الجالس وسط الرماد سوى عطفهم الصامت .