خروج - العهد القديم - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير سفر خروج - العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
من جانب موسى ليهرب من مصر ، أو أنها استعملت للإشارة إلى فترة غير معروفة من الزمن . وأولى الاحتمالات يكاد يكون مستحيلاً ما لم تكن سيناء ـ بالنسبة لبعض العلماء ـ تقع عند جبل الهلال ، في طريق شور وعلى خط مستقيم بين جاسان وقادش ! وحتى مع هذا فالأشداء فقط هم الذين يستطيعون قطع الرحلة في ثلاثة أيام . أما الاحتمال الثاني فهو جائز ، فقد كان أمس ، ومنذ تعبير « أمس وما قبله بثلاثة أيام » هو الجملة العبرية المعتادة لكلمة « سابقاً » ( خر ٥ : ٧ ) . أما الاحتمال الثالث فهو الذي يشكل نقطة أخلاقية : هل قصد موسى فعلاً أن يعود ؟ لم يذكر إبراهيم ويعقوب الحقيقة ( تك ١٢ ، ٢٧ ) ، وكثيرون أيضاً من شخصيات الكتاب وكان ذلك بغية تحقيق أهدافهم ، على الرغم من أنهم لم ينالوا مديحاً لذلك ، وفي هاتين الحالتين يوضح لنا الكتاب مقدار العقاب الذي يحل بكل من يلجأ إلى الغش والخديعة .
ولكن ، ما من حاجة إلى افتراض أن موسى قد لجأ فعلاً إلى الخداع . والحقيقة ، أنه من غير المحتمل ، أن يكون قد قصد العودة فعلاً ، وإلا فما كان قد ألح في أن يصحبه الفتيان والشيوخ ، البنين والبنات بالغنم والبقر ( خر ١٠ : ٩ ) . أما وأن فرعون لم يتوقع عودتهم إطلاقاً فهذا يتضح من رد فعله العنيف . وفي الواقع إن العملية كلها تشكل نوعاً من المساومة السائدة في البلدان الشرقية ، مثل محادثة إبراهيم مع عفرون الحثى ( تك ٢٣ ) . وقد طلب موسى الحرية الكاملة ، رغم أنه جاء مستتراً في كلمات مهذبة ، وقد اتضح هذا من البداية . وابتدأ فرعون يقدم رده تدريجياً : إذهبوا إذبحوا لإلهكم في هذه الأرض ( خر ٨ : ٢٥ ) ، لكن لا تذهبوا بعيداً ( خر ٨ : ٢٨ ) ، الرجال فقط يذهبون ( خر ١٠ : ١١ ) ، الكل ما عدا الغنم والبقر يبقى ( خر ١٠ : ٢٤ ) . وإن كنا نرى أمراً أخلاقياً في هذه المساومة ، أو إن كنا نستخدمها كمقياس أخلاقي ، نكون قد أسأنا فهم العادات الشرقية . إنها قصة عاصفة ، كقصة يعقوب ولابان ( تك ٣٠ ) ، وقد نصدر أحكاماً أخلاقية عليها ، لكن من المشكوك فيه أن كاتب السفر قد فكر في هذا ، فما كان هذا هو هدفها . لقد تولد شعور عند بعض المفسرين بأن موسى تعمد أن يقلل طلباته إلى هذا الحد كى يتيح أمام فرعون كل فرصة للاستجابة لها . وإذا ما كان عنيداً للدرجة التي يرفض حتى مثل هذه الطلبات ، على قلتها ، فما أمل ولا عذر له بعد ذلك .