تفسير رسالة غلاطية
تفسير رسالة غلاطية - أستاذ حلمي القمص
وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي .. " كَانَ بُولُسُ يَتَمَتَّعُ بِالْبِرِّ الذَّاتِي لِدَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ، فَقَدْ كَانَ مُنْغَمِسًا فِي الدِّيَانَةِ وَتَقَالِيدِهَا وَطُقُوسِهَا، كَانَ يَشْعُرُ أَنَّهُ مَقْبُولٌ لَدَى اللَّهِ لأَنَّهُ كَانَ مُتَدَيِّنًا، وَكَانَ يَفْعَلُ الصَّلاحَ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ. كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ صَلاحَهُ وَدِيَانَتَهُ قَدْ جَعَلاهُ بَارًّا أَمَامَ اللَّهِ. لَقَدْ فَشِلَ فِي رُؤْيَةِ الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ لِلَّهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالْفَسَادِ الْمُطْلَقِ لِلإِنْسَانِ وَعَدَمِ مَحَبَّتِهِ. لَقَدْ أَصْبَحَ بُولُسُ مَخْدُوعًا جِدًّا لِدَرَجَةٍ أَنَّهُ أَطْلَقَ سَيْلاً مِنَ الْكَرَاهِيَةِ وَالْقَتْلِ ضِدَّ تَابِعِي الْمَسِيحِ. لَقَدِ اسْتَخْدَمَ كُلَّ مَا فِي مُتَنَاوَلِ يَدِهِ لِيَمْحُوَ اسْمَ الْمَسِيحِ مِنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ .. لَقَدْ كَانَ بَارًّا ذَاتِيًّا وَمُتَغَطْرِسًا، وَمَلِيئًا بِالْمَرَارَةِ وَالْكَرَاهِيَةِ، وَالْقَتْلِ، وَرَاحَ يُسِيءُ اسْتِغْلالَ مَرْكَزِهِ وَسُلْطَتِهِ تَمَامًا كَالطَّاغِيَةِ، إِلَى حَدِّ حَبْسِ وَقَتْلِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ مَعَهُ (۱).
"وَكُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي .. قَدَّمَ بُولُسُ الرَّسُولُ نَفْسَهُ لِلْيَهُودِ الثَّائِرِينَ عَلَيْهِ قَائِلاً: "رُبِّيَتُ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالاَئِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ. وَكُنْتُ غَيُورًا لِلَّهِ كَمَا أَنْتُمْ جَمِيعُكُمُ الْيَوْمَ" (أع ٢٢: ٣). وَقَالَ لأَهْلِ فِيلِبِّي: "مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ" (في ٣: ٥، ٦). وَيَقُولُ "الأَبُ مَتَّى الْمِسْكِينُ": "إِنَّ "الْغَيْرَةَ" بِحَدِّ ذَاتِهَا تَحْتَمِلُ "الْحَقَّ" وَ"الْبَاطِلَ"، فَإِنْ كَانَ يُوَاكِبُهَا الْحِكْمَةُ وَالرُّوحُ الْعَاقِلَةُ فَهِيَ تُؤَدِّي إِلَى التَّقْوَى وَالتَّمَهُّدِ فِي الدِّرَاسَةِ وَالْحَقِّ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ دَوَافِعُهَا خَالِيَةً مِنَ النِّعْمَةِ وَالْحَقِّ فَهِيَ تَتَشَيَّأُ ضَلالَةً حَتْمًا وَتُؤَدِّي بِصَاحِبِهَا إِلَى الْكَوَارِثِ. فَعِنْدَنَا مِنَ التَّلامِيذِ الْقِدِّيسِينَ كَانَ سِمْعَانُ الْغَيُورُ (لو ٦: ١٥)، وَعِنْدَنَا فِي التَّارِيخِ مَا قَبْلَ الْمَسِيحِ مُبَاشَرَةً يَهُوذَا الْجَلِيلِيُّ الَّذِي هَلَكَ وَمَنْ مَعَهُ (أع ٥: ٣٧). وَعَلَى الْعُمُومِ يَقُولُ ق. بُولُسُ: "حَسَنَةٌ هِيَ الْغَيْرَةُ فِي الْحُسْنَى" (غل ٤: ١٨)، طَالَمَا كَانَتِ النِّعْمَةُ ظَاهِرَةً فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ (۲).
كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي .. كَانَتْ غَيْرَةُ شَاوُلَ غَيْرَةً نَارِيَّةً مُلْتَهِبَةً فَاقَتْ غَيْرَةَ أَتْرَابِهِ وَأَعْمَتْ عَيْنَيْهِ، فَلَمْ يَسْمَحْ لِنَفْسِهِ أَنْ يَتَفَهَّمَ إِيمَانَ وَسُلُوكَ مَنْ يَضْطَهِدُهُمْ، وَجَاءَ فِي
(1) الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية ج ٩ الرسالة إلى أهل غلاطية ص ٢٠
(۲) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ١٠٩، ١١٠