سراج الكلمة
‹صفحة ١١١ · أستاذ حلمي القمص
تفسير رسالة غلاطية - أستاذ حلمي القمص · صفحة ١١١

تفسير رسالة غلاطية

تفسير رسالة غلاطية - أستاذ حلمي القمص


www.christianlib.com
— ١١١ —

الأصحاح الثاني

لِيَتَجَسَّسُوا حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ كَيْ يَسْتَعْبِدُونَا .. كَيْ يَعُودُوا بِنَا إِلَى عُبُودِيَّةِ النَّامُوسِ وَقُيُودِهِ: "هَكَذَا نَحْنُ أَيْضًا لَمَّا كُنَّا قَاصِرِينَ كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ" (غَل ٤: ٢) .. "فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضًا إِلَى الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ الْفَقِيرَةِ الَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تَسْتَعْبِدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ" (غَل ٤: ٩)، وَقَالَ بُطْرُسُ الرَّسُولُ فِي نَفْسِ السِّيَاقِ: "فَالآنَ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ اللَّهَ بِوَضْعِ نِيرٍ عَلَى عُنُقِ التَّلامِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلا نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ. لَكِنْ بِنِعْمَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنْ نَخْلُصَ كَمَا أُولَئِكَ أَيْضًا" (أَع ١٥: ١٠، ١١).

الَّذِينَ لَمْ نُذْعِنْ لَهُمْ بِالْخُضُوعِ وَلا سَاعَةً لِيَبْقَى عِنْدَكُمْ حَقُّ الإِنْجِيلِ .. لَمْ نُذْعِنْ أَي لَمْ نَسْتَسْلِمْ لِهَؤُلاءِ الْمُتَغَطْرِسِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَزِجُّوا بِالأُمَمِ تَحْتَ وَطْأَةِ وَعُبُودِيَّةِ النَّامُوسِ، أَمَّا بُولُسُ الرَّسُولُ فَقَدْ وَقَفَ وَقْفَةً حَازِمَةً ضِدَّ هَذِهِ الأَفْكَارِ الْهَدَّامَةِ فَلَمْ يَخْضَعْ وَلَمْ يَرْضَخْ لَهُمْ وَلَوْ لِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ لِوَقْتٍ قَصِيرٍ جِدًّا، وَلَمْ يُوَافِقْهُمُ الرَّأْيَ وَلَوْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُفَكِّرْ بُولُسُ الرَّسُولُ فِي أَيِّ حَلٍّ مِنَ الْحُلُولِ الْوَسَطِ، فَهُوَ كَانَ يُدْرِكُ جَيِّدًا مَا قَالَهُ لأَهْلِ فِيلِبِّي: "عَالِمِينَ أَنِّي مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ الإِنْجِيلِ" (فِي ١: ١٧)، وَبَيْنَمَا كَانَ بُولُسُ الرَّسُولُ مُسْتَعِدًّا أَنْ يُجَارِيَ كُلَّ إِنْسَانٍ لِكَيْ يَرْبَحَهُ لِلْمَسِيحِ (١كو ٩: ٢٠، ٢١) إِلاَّ أَنَّهُ تَصَدَّى بِقُوَّةٍ لِهَؤُلاءِ الأَخْوَةِ الْكَذَبَةِ لِيُحَافِظَ عَلَى تَعْلِيمِ الإِنْجِيلِ الْحَقَّانِيِّ (رو ١: ١٧، ١ كو ١: ٥) .. لَقَدْ وَقَفَ بُولُسُ الرَّسُولُ دَائِرَةَ الإِعْلانِ الإِلَهِيِّ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُزَحْزِحَهُ مِنْهَا، لأَنَّ الْهَدَفَ كَانَ وَاضِحًا جِدًّا أَمَامَ عَيْنَيْهِ، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَحْفَظَ حَقَّ الأُمَمِ فِي الإِنْجِيلِ مِثْلَ الْيَهُودِ تَمَامًا، دُونَ أَنْ يَقَعُوا تَحْتَ طَائِلَةِ النَّامُوسِ .. كَمْ كَانَ بُولُسُ الرَّسُولُ بَطَلاً مِغْوَارًا فِي هَذَا الْمِضْمَارِ شُجَاعًا تُجَاهَ قَضِيَّتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلِ السَّلامَ مَعَ هَؤُلاءِ الْمُتَهَوِّدِينَ عَلَى حِسَابِ حَقِّ الإِنْجِيلِ، وَلَمْ يُفَرِّطْ فِي الإِيمَانِ قِيدَ أَنْمُلَةٍ، هَكَذَا كَانَتْ فَلْسَفَةُ فَيْلَسُوفِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَنَشْكُرُ اللَّهَ أَنَّهُ هَكَذَا كَانَتْ فَلْسَفَةُ بُطْرُسَ الرَّسُولِ أَيْضًا: "فَبَعْدَ مَا حَصَلَتْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ قَامَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنْذُ أَيَّامٍ قَدِيمَةٍ اخْتَارَ اللَّهُ بَيْنَنَا أَنَّهُ بِفَمِي يَسْمَعُ الأُمَمُ كَلِمَةَ الإِنْجِيلِ وَيُؤْمِنُونَ. وَاللَّهُ الْعَارِفُ الْقُلُوبِ شَهِدَ لَهُمْ مُعْطِيًا لَهُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا لَنَا أَيْضًا. وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِشَيْءٍ إِذْ طَهَّرَ بِالإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ" (أَع ١٥: ٧ - ٩)، وَأَكَّدَ نَفْسَ الْمَنْطِقِ الْقِدِّيسُ يَعْقُوبُ الَّذِي قَالَ: "سِمْعَانُ قَدْ أَخْبَرَ كَيْفَ افْتَقَدَ اللَّهُ أَوَّلاً الأُمَمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ شَعْبًا عَلَى اسْمِهِ.