سراج الكلمة
‹صفحة ١٠٩ · أستاذ حلمي القمص
تفسير رسالة غلاطية - أستاذ حلمي القمص · صفحة ١٠٩

تفسير رسالة غلاطية

تفسير رسالة غلاطية - أستاذ حلمي القمص


www.christianlib.com

الأصحاح الثاني

١٠٩

وَقَالُوا إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَتِنُوا وَيُوصُوا بِأَنْ يَحْفَظُوا نَامُوسَ مُوسَى (أع ١٥: ٥)، وَقَدْ يَكُونُ الَّذِينَ أَدْخَلُوهُمْ خِفْيَةً هُمْ جُمْهُورُ الْكَهَنَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْمَسِيحِيَّةِ: "وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ" (أع ٦: ٧). وَكَانَ هَؤُلاءِ الْمُتَهَوِّدُونَ غَيُورِينَ عَلَى النَّامُوسِ كَقَوْلِ الْقِدِّيسِ يَعْقُوبَ لِبُولُسَ الرَّسُولِ: "أَنْتَ تَرَى أَيُّهَا الأَخُ كَمْ يُوجَدُ رِبْوَةٌ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُمْ جَمِيعًا غَيُورُونَ لِلنَّامُوسِ" (أع ٢١: ٢٠)، وَخَلْفَ كُلِّ هَؤُلاءِ كَانَ يَقِفُ عَدُوُّ الْخَيْرِ كَقَوْلِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ لَهُ الْمَجْدُ فِي مَثَلِ الْحِنْطَةِ وَالزَّوَانِ: "وَفِيمَا النَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُوُّهُ وَزَرَعَ زَوَانًا فِي وَسَطِ الْحِنْطَةِ وَمَضَى .. وَالْعَدُوُّ الَّذِي زَرَعَهُ هُوَ إِبْلِيسُ" (مت ١٣: ٢٥، ٣٩).

وَكَلِمَةُ "خَفِيَّةٌ" فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ تُعَبِّرُ عَنِ الاخْتِفَاءِ بِغَرَضِ التَّلَصُّصِ، وَلِذَلِكَ يُكْمِلُ بُولُسُ الرَّسُولُ الْقَوْلَ: "الَّذِينَ دَخَلُوا اخْتِلاسًا".. لَقَدْ تَسَلَّلُوا خِفْيَةً بِكَامِلِ إِرَادَتِهِمْ بِهَدَفِ تَدْمِيرِ الْخِدْمَةِ، وَهَؤُلاءِ الأَخْوَةُ الْكَذَبَةُ هُمُ الَّذِينَ حَذَّرَ بُولُسُ الرَّسُولُ تِلْمِيذَهُ تِيمُوثَاوُسَ مِنْهُمْ: "لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى وَلَكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا. فَأَعْرِضْ عَنْ هَؤُلاءِ" (٢تي ٣: ٥).

وَعَنْ هَؤُلاءِ الإِخْوَةِ الْكَذَبَةِ قَالَ مُعَلِّمُنَا بُطْرُسُ الرَّسُولُ: "وَلَكِنْ، كَانَ أَيْضًا فِي الشَّعْبِ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أَيْضًا مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاكٍ" (٢بط ٢: ١)، فَهَؤُلاءِ الإِخْوَةُ الْكَذَبَةُ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمْ بُطْرُسُ الرَّسُولُ أَنَّهُمْ دَخَلُوا خِلْسَةً أَوْ اخْتِلاسًا قَالَ عَنْهُمْ بُطْرُسُ الرَّسُولُ أَنَّهُمْ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاكٍ، فَهُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ يَنْدَسُّونَ فِي ثِيَابِ الْحُمْلانِ: "اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَابِ الْحُمْلانِ وَلَكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِلٍ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ" (مت ٧: ١٥). وَقَالَ بُولُسُ الرَّسُولُ: "لأَنِّي أَعْلَمُ هَذَا أَنَّهُ بَعْدَ ذَهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لاَ تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ" (أع ٢٠: ٢٩).. وَبِلاَ شَكٍّ أَنَّ خُطُورَةَ الذِّئَابِ تَشْتَدُّ جِدًّا عِنْدَمَا تَكْمُنُ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَظِيرَةِ.

لِيَتَجَسَّسُوا حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ .. هَؤُلاءِ الإِخْوَةِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ دَفَعَ بِهِمْ مُتَهَوِّدِي أُورُشَلِيمَ إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّةَ كَانَ هَدَفُهُمُ التَّجَسُّسَ عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ مِنْ أَصْلٍ أُمَمِيٍّ، وَمُحَاوَلَةُ إِقْنَاعِهِمْ بِأَنَّ إِيمَانَهُمْ بَاطِلٌ بِدُونِ الْخِتَانِ وَحِفْظِ النَّامُوسِ، فَهَؤُلاءِ الإِخْوَةُ الْكَذَبَةُ هُمْ فِي حَقِيقَتِهِمْ أَعْدَاءٌ، وَكُلُّ عَدُوٍّ يَهْتَمُّ جِدًّا بِالتَّجَسُّسِ عَلَى خَصْمِهِ بِهَدَفِ اكْتِشَافِ نِقَاطِ ضَعْفِهِ وَالثَّغَرَاتِ فِي نِظَامِهِ الدِّفَاعِيِّ، حَتَّى يَنْفُذَ إِلَى عَدُوِّهِ وَيُحَطِّمَهُ.